تقرير: باسل محمود
رغم أنّ إيران تمتلك ثاني أكبر احتياطي للغاز الطبيعي في العالم، ورابع أكبر احتياطي للنفط، إلا أنها تعاني أزمة طاقة متفاقمة تهدد الاقتصاد، وتعطل الإنتاج الصناعي، وتقيد حياة المواطنين اليومية.
لكن كيف لدولة بهذه الإمكانات أن تواجه عجزًا مستمرًا في الكهرباء والوقود؟ الجواب يكمن في مزيج معقد من السياسات الفاشلة والدعم العشوائي والفساد وسوء الإدارة، إلى جانب أولويات سياسية جعلت من الطاقة أداة نفوذ خارجي بدلاً من أن تكون رافعة للتنمية.
دعم الطاقة المفرط وتدهور البنية التحتية
يصنف نظام الدعم الحكومي في إيران من بين الأنظمة الأدنى كفاءة في العالم، سواء على مستوى البنزين أو الغاز الطبيعي، حيث تشجع الأسعار المدعومة على استهلاك مفرط يرهق الشبكة ويعجل بالتهريب.
وتُشير التقديرات إلى أنَّ قرابة 20% من الإنتاج اليومي من الوقود يُهرَّب إلى الخارج، أي ما يعادل 10 إلى 20 مليون لتر يومياً، هذه الكميات المهربة لا تُمثّل استنزافًا لموارد الدولة فحسب، بل تكلف الخزانة العامة ما يقارب 5 مليارات دولار سنويًا، تُنفق بلا عائد حقيقي على الاقتصاد.
كما تعتمد إيران في إنتاج الطاقة على مصافٍ ومحطات كهرباء ونقل تعود لعقود مضت دون تحديث يُذكر، علمًا أنّ هذه المنظومة المتقادمة تُفقد البلاد نحو 40% من الغاز والكهرباء المُنتَجة خلال النقل والتوزيع، ما يُعيق تلبية الطلب المحلي، ويؤدي إلى انقطاعات متكررة، لا سيما في فترات الذروة الشتوية والصيفية، ولعلّ هذا نتاج لنقص التمويل والإهمال وغياب الإرادة السياسية لإصلاح جذري منذ عقود طويلة.
اقرأ أيضًا: ما شروط ترامب لرفع العقوبات عن إيران؟
كيف أصبحت الطاقة أداة نفوذ إيراني؟
تُخصّص إيران جزءًا كبيرًا من عائدات النفط لدعم حلفائها في المنطقة، من خلال آليات تمويل غير مضمونة لا تعود بأي منفعة على الداخل الإيراني، الأمر الذي يحول الطاقة من مورد اقتصادي إلى أداة نفوذ سياسي خارجي، ما يحرم القطاعات المحلية من استثمارات ضرورية في الصيانة والتوسعة، ويسهم في استمرار تدهور الشبكة الوطنية للطاقة. كما أنّ العقوبات الدولية المتراكمة على قطاع الطاقة الإيراني منعت البلاد من الوصول إلى التمويل الدولي والتكنولوجيا الحديثة.
وفي عام 2023 فقط، أنفقت الحكومة 30 مليار دولار لدعم الكهرباء و52 مليار دولار لدعم المنتجات النفطية، ويمثل هذا الإنفاق، في ظل انخفاض عائدات التصدير، عبئًا هائلًا على الميزانية العامة، كما أنّه يؤدي إلى توسع العجز المالي، دون تحسين حقيقي في مستوى الخدمة أو استدامة الإنتاج.
أما في عام 2024، فقد استهدفت تفجيرات سرية خطوط أنابيب الغاز، ما أدى إلى عجز يومي يقدر بـ350 مليون متر مكعب. ورغم إعلان الحكومة أنَّ هذه الهجمات كانت بداية الأزمة، فإن الواقع يُظهر أن ضعف البنية التحتية وإهمال الصيانة المستمر كانا السبب الحقيقي لانكشاف البلاد أمام أي صدمة أمنية أو لوجستية، حتى وإن كانت محدودة.
اقرأ أيضًا: محطة جاسك.. ورقة إيران الجيوسياسية لتجاوز مضيق هرمز
أنماط استهلاك غير فعالة واختلالات بنيوية
رغم أن أكثر من 70% من الطاقة المستهلكة في إيران تأتي من الغاز الطبيعي، إلا أن نسبة كبيرة منها تُهدر بسبب أسطول سيارات متهالك بمتوسط استهلاك يتراوح بين 17 و21 ميلا للغالون الواحد. ومع توصيل أكثر من 95% من المنازل إلى شبكة الغاز، يعطى القطاع السكني الأولوية في التوزيع على حساب القطاع الصناعي، مما يُضعف الإنتاجية ويُؤدي إلى تقنين الإمدادات في المنشآت الحيوية.
ومن ناحية أخرى، نرى أنّ أنشطة تعدين العملات المشفرة -التي تُدار أحيانًا من قبل جهات ذات صلة بالدولة- تُفاقم الضغط على شبكة الكهرباء، حيث يُعادل استهلاكها استهلاك محافظات بأكملها، ما يزيد من وتيرة الانقطاعات. إضافة إلى ذلك، فإن ضعف الرقابة وتهريب الوقود وسوء الإدارة يعوقان قدرة الدولة على التخطيط لمواجهة الأزمات بشكل فعّال.
ضغوط جيوسياسية وأزمة مالية متفاقمة
تزامن انفجار أزمة الطاقة مع تصاعد الضغوط الجيوسياسية على طهران، فقد أدى تدهور سعر صرف الريال الإيراني إلى 770 ألف ريال مقابل الدولار إلى ارتفاع التضخم، وتآكل القوة الشرائية، وتراجع شهية المستثمرين الأجانب، خاصة في قطاع الطاقة.
ومع تفاقم الأزمة، اضطرت إيران إلى تقليص إمدادات الغاز إلى كل من العراق وتركيا، ما يُهدد علاقاتها التجارية ويُفاقم عجز الموازنة.
قد يهمّك أيضًا: تقييم استخباراتي أمريكي.. الضربات لم تدمر منشآت إيران النووية
انعكاسات داخلية وإقليمية متشعبة
تشغل القطاعات الصناعية مثل البتروكيماويات، والصلب، والإسمنت بأقل من نصف طاقتها، في ظلّ انقطاعات تصل إلى ساعتين يوميًا حتى في المدن الكبرى، كما أنّ خسائر العملة المحلية تتسبب في تضخيم فاتورة واردات البنزين، حيث تُنفق الحكومة 1.3 مليار دولار سنويُا على الاستيراد لتلبية العجز.
فضلًا عن أنّ استخدام المازوت المُلوّث في محطات الكهرباء رفع تركيز ثاني أكسيد الكبريت والجسيمات الدقيقة إلى ما يتجاوز 20 ضعف المعايير العالمية، وتسبّب تلوّث الهواء بإغلاق المدارس في طهران وغيرها لمدة شهر كامل. وتقدر الخسائر الاقتصادية المرتبطة بالتلوث -من الرعاية الصحية إلى الإنتاجية المهدورة- بـ12 إلى 20 مليار دولار سنويًا.
تخفيض حصص البنزين
أعاد تخفيض حصص البنزين في ديسمبر 2024 للأذهان احتجاجات 2019، وما رافقها من قمع دموي، خاصة وأنّ الحكومة لم تستجب بإصلاحات حقيقية، بل لجأت إلى الردع الأمني، ما عمّق فجوة الثقة بينها وبين المواطنين، وترك النظام أمام مفترق حرج؛ إما مواصلة الدعم وتحمل العجز، أو رفعه والمخاطرة بانفجار اجتماعي واسع.
علمًا أنّ الحكومة بدأت في نوفمبر 2024 بتقنين الكهرباء، ومنعت استخدام المازوت، في محاولة لتخفيف الضغوط الفورية، لكنَّها لم تعالج جذور الأزمة المتمثلة في نقص الغاز وسوء التخطيط، فبقيت القطاعات الصناعية والسكان تحت ضغط انقطاعات غير مُجدولة، تُضعف الثقة في السياسات الحكومية.
كما لم تُفلح محاولات تعزيز أمن الحدود في وقف نزيف التهريب، المُقدّر بـ8 مليارات دولار سنوياً، وتُظهر التقارير أن بعض عناصر الدولة متورطون في هذا التهريب، ما يُبرز ضعف الحوكمة المؤسسية.
الطاقة المتجددة.. وعود مؤجّلة
رغم امتلاك إيران إمكانات ضخمة للطاقة الشمسية -تتيح توليد 12 ألف ميغاواط- لم تستثمر منها إلا أقل من 1% من الميزانية العامة، وفي حين أنهّا أعلنت عن خطة لإضافة 2,400 ميغاواط بحلول 2025، فإن هذه المبادرات تُنافسها مشاريع الطاقة النووية التي تحظى بالدعم السياسي والتمويل، الأمر الذي يوسع الفجوة مع دول الجوار كالإمارات التي تبني اليوم الإمارات أكبر محطة للطاقة الشمسية في العالم.
السيناريوهات الثلاثة للمستقبل
أزمة الطاقة الإيرانية ليست نتيجة ظرف طارئ بل انعكاس لتراكم عقود من الفشل الإداري، والدعم المُشوه، والفساد، والعزلة الدولية، والسياسات الحالية ليست سوى مسكنات مؤقتة تُعمّق الأزمة البنيوية وتُفقد النظام شرعيته. ورغم السيناريوهات المطروحة الآن، إلا أنّ هُناك سيناريو واحد واقعي بينها:
سيناريو الإصلاح
يتمثّل برفع العقوبات وجذب استثمارات أجنبية، الأمر الذي قد يُتيح لإيران إعادة هيكلة القطاع، وتحديث الشبكة، ودمج الطاقة المتجددة خلال 5 – 10 سنوات، لكن هذا يتطلّب إرادة سياسية وإصلاحات مؤسسية عميقة.
سيناريو الانهيار
استمرار العقوبات والجمود السياسي يعني انفجارًا اجتماعيًا، وانهيارًا صناعيًا، وانكماشا اقتصاديًا حادًا، يُهدد شرعية الدولة.
السيناريو الواقعي
إيران ستبقى في منطقة رمادية بين الإصلاح والانهيار، مع تحسينات محدودة من خلال التعاون مع الصين وروسيا، لكن دون تغييرات جذرية توقف نزيف البنية التحتية أو تهريب الوقود أو تعيد الثقة للمستثمرين.
ولإنقاذ هذا القطاع، قد يتطلب الأمر فكّ الارتباط بين الحرس الثوري وموارد الدولة، وتحرير أسعار الطاقة تدريجيا، وجذب الاستثمارات في الطاقة المتجددة والتقنيات الذكية، وإعادة إيران إلى المنظومة الاقتصادية العالمية عبر تسوية دبلوماسية تُعيد الثقة.
قد يهمّك أيضًا: النفط الإيراني يعود للأسواق.. هل تراجعت أمريكا فعلًا؟








